“باسم كل العرب نرحِّب بكل العالم، نعدكم بنجاح كأس العالم 2022، وثقتنا كبيرة بالشباب العربي والأصدقاء الذين نستعين بهم لتنظيم البطولة”.
(الشيخ تميم بن حمد، أمير قطر بعد نهاية مونديال 2018)

في تمام السابعة مساء بتوقيت الدوحة، يوم الأحد 20 نوفمبر، تنطلق صافرة الحكم ومعها تتوجه أنظار العالم أجمع إلى ملعب “البيت” بمدينة الخور القطرية ذي التصميم المعماري الفريد الشبيه بالخيمة البدوية بسعته البالغة 60 ألف مُشجع، الذي سيشهد المباراة الافتتاحية لمسابقة كأس العالم 2022 بين المنتخبين القطري والإكوادوري، في مستهل الحدث الرياضي الأشهر الذي يُقام كل أربع سنوات.
بالنسبة للكثير من الرياضيين ومحبي كرة القدم، فإن جُل الاهتمام غالبا ما يكون مُنصبا على 29 يوما من المتعة الكروية والإبهار البصري وتحليلات المباريات المفعمة بالحماس والإثارة. ولكن في الجهة المقابلة، فإن هذا الشهر الرياضي تقف وراءه سنوات طويلة من العمل والتطوير الهائل للبنى التحتية في كل ركن من أركان الدولة المضيفة قطر، التي ستحصد في المقابل فائدة اقتصادية هائلة لأول بلد عربي يشهد هذه المسابقة على أراضيه.
الاستثمارات الأضخم على الإطلاق
بحسب المصادر الرسمية، أنفقت دولة قطر نحو 220 مليار دولار على مشروعات البنية التحتية على أراضيها خلال الـ11 عاما الماضية، شملت الطرق والمدن ووسائل النقل العام والفنادق والمرافق الرياضية والملاعب، وهو ما يُعَدُّ أعلى رقم على الإطلاق للإنفاق على تجهيزات استضافة المسابقة العالمية، مقارنة بنفقات جميع الدول التي استضافت كأس العالم في السنوات الماضية.
فقد أنفقت جنوب أفريقيا التي استضافت كأس العالم على أراضيها عام 2010 نحو 4.3 مليارات دولار على منشآت البنية التحتية، بينما أنفقت البرازيل ما يُقدَّر بنحو 11.6-15 مليار دولار في مشروعات البنية التحتية لاستضافة مونديال عام 2014. أما روسيا، التي استضافت البطولة الماضية عام 2018، فقد بلغ إجمالي نفقاتها على تجهيزات البنية التحتية من 11 إلى 13.2 مليار دولار.
وبالتأكيد كانت الملاعب العملاقة ذات التصميمات المعمارية الفريدة على رأس البنية التحتية التي شيَّدتها قطر لتجهيزات كأس العالم، حيث شيَّدت 8 ملاعب وفق أحدث المواصفات العالمية لاستضافة المباريات، على رأسها ملعب البيت الذي يستضيف مباراة الافتتاح، وملعب خليفة الدولي، وملعب لوسيل الذي يستضيف المباراة النهائية، وأيضا ملعب الجنوب وملعب المدينة التعليمية، وملعب أحمد بن علي، وملعب الثمامة، وملعب 974.
وبحسب الأرقام الرسمية، بلغت تكلفة إنشاء هذه الملاعب فقط من بين إجمالي نفقات البنية التحتية نحو 7 مليارات دولار، وهو مبلغ يتجاوز إجمالي نفقات جنوب أفريقيا على تجهيزات البنية التحتية بالكامل في 2010، وأيضا يساوي نصف إجمالي نفقات روسيا على مشاريع البنية التحتية في جميع أرجاء البلاد تجهيزا لمونديال 2018 الذي اعتبره جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم بأنه “أفضل مونديال على الإطلاق” مقارنة بالنسخ العشرين السابقة. (1، 2، 3)
أكبر من مجرد حدث رياضي
بحسب تصريح مسؤول حكومي قطري لوكالة رويترز، فإن الدوحة تتعامل مع بطولة كأس العالم التي تُقام على أراضيها باعتبارها أكبر بكثير من مجرد حدث رياضي، وأنها ستكون بمنزلة “قاعدة انطلاق تسويقية” كبرى لقطر في المستقبل القريب والبعيد بعد انتهائه، مما يجعل هذا الإنفاق السخي في منشآت البنية التحتية مدروسا بعناية في أول دولة شرق أوسطية تستقبل المونديال، وثاني دولة آسيوية بعد كوريا الجنوبية واليابان اللتين نظَّمتا المسابقة عام 2002.
هذا الاهتمام بالإنفاق السخي غير المسبوق على البنية التحتية والمنشآت الحيوية لاستقبال المشجعين وصفته كارين يونغ، الزميلة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، بأنه فلسفة تسويق كبيرة ترفع شعارا للتنمية السياحية والاقتصادية مفاده: “شَيِّد وسوف يأتون”، في إشارة إلى أن الفرص التسويقية ورؤوس المال ومبادرات الأعمال والزخم السياحي دائما ما تزداد مع توفير بنية تحتية أفضل ومنشآت أكثر جودة. (4)
إلى جانب الملاعب، شيَّدت قطر أكثر من 100 فندق جديد عالي المستوى والفخامة، بإجمالي عدد غرف يصل إلى 30 ألف غرفة، إلى جانب الشقق والفلل الوحدات السكنية الموزعة داخل الدولة، وأيضا الخيام الصحراوية الفندقية والسفن السياحية التي تعمل بوصفها فنادق عائمة لتلبية الطلب الكبير خلال المونديال. وبحسب رصد لمنصة “CNBC” عربية، وصل سعر الليلة الفندقية الواحدة أثناء المونديال إلى 5 آلاف دولار في الفنادق ذات الخمسة نجوم، بينما تتراوح ما بين 500-2000 دولار في فنادق فئة الثلاثة نجوم والنجمتين.
أما بالنسبة لشبكة النقل والمواصلات، فإلي جانب تشييد العديد من الطرق الرئيسية، وتجهيز مسارات للدراجات ولذوي الاحتياجات الخاصة، فقد افتتحت قطر عام 2019 شبكة أنفاق المترو “مترو الدوحة” بعد 6 سنوات من البناء بتكلفة تقدر بنحو 36 مليار دولار. شبكة المترو التي تبلغ سرعة مركباتها 100 كم في الساعة، مما يجعلها من أسرع شبكات المترو حول العالم، تغطي حتى الآن 3 خطوط بسعة تشغيلية كاملة، ويبلغ طولها 76 كيلومترا، وتتوقف عند 38 محطة تمر جميعا على كل المدن والمواقع الحيوية المستضيفة لمباريات كأس العالم وأنشطتها المرتبطة. ومن المتوقع أن ينقل مترو الدوحة 50% من المشجعين حول البلاد.
مدن ذكية وجزر اصطناعية
على بُعد 16 كم من وسط العاصمة الدوحة، شيَّدت قطر مدينة “لوسيل” الحديثة بوصفها نموذجا للمدينة الذكية المستقبلية المكتفية ذاتيا والمُستدامة بيئيا. بدأ العمل على تنفيذ المدينة الضخمة عام 2008، وبلغ إجمالي تكلفتها نحو 45 مليار دولار، لتصبح واحدة من أضخم المدن الذكية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، وتُعَدُّ من الأيقونات السياحية الأساسية الجاذبة للمشجعين خلال مسابقة كأس العالم وما بعدها.
مدينة لوسيل التي اكتسبت اسمها من نوع نادر من الزهور في قطر، وسوف يستضيف ملعبها المباراة النهائية في مسابقة كأس العالم، تتكوَّن من 19 ضاحية تضم 22 فندقا عالميا شديد الفخامة، وملعبين كبيرين لرياضة الجولف، وحدائق عامة كبيرة، ومراكز ترفيهية ومنشآت تجارية ومرافق رياضية، على مساحة تُقدَّر بنحو 38 كيلومترا. ويمكن للمدينة استيعاب 200 ألف مقيم وأكثر من 80 ألف زائر لمرافق الترفيه والضيافة. المدينة تستلهم التراث القطري بوضوح في تصميم أبنيتها، وتدمج التراث مع الواقع العصري والتصور المستقبلي، مع الاعتماد بشكل رئيسي على المناظر الطبيعية والبيئة الخضراء.
شيَّدت قطر أيضا مشروع جزيرة اللؤلؤة، وهي مجموعة من الجزر الاصطناعية تُمثِّل مدينة متكاملة تحتوي على مراسٍ لليخوت الفارهة، وتضم أبراجا سكنية شاهقة وفللا وفنادق، كما تضم عددا من أفخم المتاجر والمعارض والمقاهي. وبتكلفة إجمالية تُقدَّر بأكثر من 15 مليار دولار، صُممت “اللؤلؤة” بساحات ملائمة للتجول سيرا على الأقدام بين مجموعة من الحدائق والمناظر الطبيعية تُمثِّل “ريفيرا عربية” متكاملة.
السياحة هي الرابح الأول
تتوقع قطر أن تساهم البطولة في اجتذاب ما بين مليون و200 ألف إلى مليون و700 ألف مشجع ووافد إلى الدولة خلال الشهر الذي ستُقام فيه المسابقة، وهو رقم يبلغ نحو نصف عدد سكان الدولة. ومن المنتظر أن تبلغ العوائد الناتجة من المسابقة في القطاع السياحي فقط نحو 7 مليارات ونصف، بحسب تأكيدات الدوحة وشركات الأبحاث الاقتصادية.
هذه الأرقام أكَّدها صندوق النقد الدولي ووكالة بلومبيرغ الذين نُقِل عنهم أن الاقتصاد القطري سيجني عائدات مالية من تنظيم كأس العالم تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، سواء من القطاع السياحي أو عبر الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي حصدتها قطر قبل انطلاق المسابقة، والاستثمارات المتوقع حصدها بعد انتهاء البطولة العالمية.
وتتوقع الدوحة أن يُضيف الإنفاق السياحي والأنشطة الاقتصادية المصاحبة لمسابقة كأس العالم ما يعادل 1.5% إلى الناتج الإجمالي المحلي للدولة، وهو ما سيؤدي إلى نمو الاقتصاد القطري. وفي هذا السياق، توقَّع صندوق النقد الدولي أن يحقق الاقتصاد القطري نموا بمعدل 3.4% خلال هذا العام، وأن يرتفع إلى معدل 4.4% في السنوات المقبلة بعد الأنشطة الاقتصادية الواسعة التي ستزدهر في الدولة بعد استضافة كأس العالم، والتوقعات التي أعلنت عنها قطر بتحوُّلها إلى مركز للأعمال في المنطقة سيجلب لها نحو 6 ملايين سائح سنويا بحلول عام 2030. (1، 4)
في النهاية، فإن دولة قطر ليست غريبة على تنظيم البطولات الدولية، بدءا من بطولات التنس والجولف وحتى المسابقات الكروية الإقليمية، ولكن يظل المونديال بالتأكيد هو التحدي الأكبر الذي تأمل الدوحة أن تعبره بأفضل شكل ممكن، من أجل إعطاء انطباع جيد عن أول مونديال عربي في المقام الأول، والاستمرار في حصد ثمار سنوات طويلة من العمل والبناء غير المسبوق خلال السنوات المقبلة.

