تضع أزمة السكن بمدينة طنجة آلاف الأسر أمام تحديات متزايدة، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار العقارات وصعوبة الحصول على تمويل بنكي، رغم التوسع العمراني الذي تشهده المدينة. وتكشف معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن أكثر من 42 في المائة من الأسر بعمالة طنجة أصيلة تقيم في مساكن مكتراة، مقابل 28 في المائة على الصعيد الوطني، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين القدرة الشرائية للمواطنين وكلفة امتلاك مسكن. وفي هذا السياق، عاد خيار الكراء المفضي إلى التملك إلى الواجهة، بالتزامن مع توجه حكومي يروم تطوير عرض مخصص للسكن الكرائي.
غير أن تنزيل هذه الصيغة يصطدم بإكراهات حقيقية داخل السوق العقارية المحلية، أبرزها انتشار المبالغ غير المصرح بها المعروفة بـ«النوار»، واستمرار تدخل الوسطاء، فضلاً عن تخوف المنعشين العقاريين من تأخر تحصيل مستحقاتهم ومخاطر تعثر المستفيدين عن الأداء. ورغم التعديلات التشريعية التي عززت الضمانات القانونية لهذه العقود، من خلال اشتراط تحريرها في محررات رسمية، فإن حماية المستفيدين تظل رهينة أيضاً بضبط الممارسات غير القانونية وضمان شفافية المعاملات، حتى لا تتحول هذه الآلية إلى فرصة جديدة للمضاربة العقارية بدل أن تكون مدخلاً لتيسير امتلاك السكن.
وأمام هذه التحديات، يبرز دور التدخل المؤسساتي في إنجاح المشروع، من خلال إرساء آليات تمويل وضمان تشجع المنعشين على الانخراط في هذه الصيغة، مع إشراك المؤسسات العمومية والقطاع البنكي والجماعات الترابية في توفير عرض سكني يتلاءم مع إمكانات الأسر. فالتحدي الحقيقي في طنجة لا يكمن في تشييد المزيد من العمارات، بقدر ما يرتبط بمدى قدرة المواطنين على تحمل كلفة السكن وتحويل حقهم في الاستقرار من مجرد طموح مؤجل إلى إمكانية واقعية، بعيداً عن استنزاف المداخيل وشروط السوق العقارية.


