أسدل الستار على الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة لا تتوقف عند حدود نتائج صناديق الاقتراع، بل تمتد إلى ما ستفرزه المرحلة المقبلة من مشاورات وتحالفات وبرامج حكومية وانتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة.
وأظهرت النتائج المؤقتة تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً. كما حصدت الحركة الشعبية 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية 19 مقعداً، والاتحاد الدستوري 17 مقعداً، بينما توزعت باقي المقاعد على أحزاب أخرى. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.08 في المائة.
وتكشف الخريطة البرلمانية الجديدة عن برلمان موزع بين عدة قوى سياسية، ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بالمشاورات السياسية التي ستحدد شكل الأغلبية الحكومية وتركيبتها وبرنامجها. ومع انتهاء زمن الحملات الانتخابية، تنتقل الأحزاب الآن من مرحلة تقديم الوعود إلى مرحلة تحمل مسؤولية تنفيذها.
وخلال الحملة الانتخابية، طرحت الأحزاب برامج وتصورات متعددة تتعلق بالتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والاستثمار والحماية الاجتماعية وغيرها من الملفات التي تشغل المواطن. وبعد إعلان النتائج، سيكون التحدي الأساسي هو تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات قابلة للقياس، وربطها بآجال واضحة ونتائج يمكن للمواطن تقييمها.
فالناخب لا ينتظر فقط معرفة أسماء الوزراء أو طبيعة التحالفات التي ستتشكل، بقدر ما ينتظر أثراً مباشراً للسياسات العمومية على حياته اليومية. فرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية، ومستوى التعليم، وتكاليف السكن والنقل والمواد الأساسية، كلها ملفات ستبقى في صلب تقييم أداء المؤسسات خلال السنوات المقبلة.
وفي قلب هذه المرحلة، تبرز مسؤولية أعضاء مجلس النواب. فالفوز بمقعد داخل البرلمان ليس مجرد تتويج لمسار انتخابي، وإنما تفويض مؤقت من المواطنين لممارسة مهام التشريع والرقابة وتمثيل قضاياهم داخل المؤسسة التشريعية.
ومن هذا المنطلق، لا تُقاس قيمة المقعد البرلماني بلحظة إعلان الفوز، وإنما بما سيقدمه صاحبه خلال الولاية التشريعية من حضور ومبادرات ومقترحات ومساءلة للعمل الحكومي. فالبرلماني مطالب بأن يبقى مرتبطاً بقضايا المواطنين الذين منحوه ثقتهم، وأن يحول وجوده داخل المؤسسة التشريعية إلى عمل ملموس.
وفي المقابل، ستكون الحكومة المقبلة أمام مسؤولية تحويل برنامجها إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم، خاصة في ظل انتظارات اجتماعية مرتفعة وتحديات مرتبطة بالتشغيل والاستثمار والخدمات العمومية والقدرة الشرائية والمشاريع الكبرى التي يستعد لها المغرب خلال السنوات المقبلة.
أما المعارضة، فستتحمل بدورها مسؤولية مراقبة أداء الحكومة ومناقشة سياساتها واقتراح البدائل، بما يجعل البرلمان فضاءً للنقاش والمحاسبة، وليس مجرد ساحة للتجاذب السياسي.
وبين الأغلبية والمعارضة، يبقى المواطن الطرف الأساسي في المعادلة. فهو الذي منح صوته، وهو الذي سيقيّم لاحقاً مدى الوفاء بالالتزامات والبرامج التي عُرضت عليه خلال الحملة الانتخابية.
لذلك، فإن انتهاء الانتخابات لا يمثل نهاية المسار السياسي، بل بداية مرحلة أكثر أهمية. مرحلة تتراجع فيها الشعارات أمام أرقام التنفيذ، ويتحول فيها الفوز الانتخابي إلى مسؤولية يومية أمام المواطنين.
فالانتخابات تمنح الثقة، والمقعد يمنح المسؤولية، أما الإنجاز فهو الذي يمنح تلك الثقة معناها الحقيقي.


