تعاني مدينة طنجة، التي تُعرف بجمالها وموقعها الاستراتيجي كبوابة بين إفريقيا وأوروبا، من ظاهرة أصبحت تؤرق سكانها وزوارها على حد سواء: انتشار الحفر في الطرق والأزقة بشكل ملفت. هذه الظاهرة لا تقتصر على الأحياء الشعبية أو المناطق النائية، بل تمتد إلى شوارع رئيسية ومناطق يُفترض أنها تُعبر عن الوجه الحضاري للمدينة.
الحفر في طنجة لم تعد مجرد مشكلة تقنية أو عرضية، بل أصبحت تعكس واقعاً أكثر تعقيداً يرتبط بسوء تدبير الموارد العمومية، غياب الرقابة على جودة الأشغال، وتأخر واضح في الإصلاحات. من جهة، تُسبب هذه الحفر أضراراً مباشرة لمستعملي الطريق، حيث تتكرر الشكاوى من تلف المركبات وتعريض حياة المارة للخطر، ومن جهة أخرى، تُقدم صورة سلبية عن مدينة تسعى لتعزيز موقعها كقطب اقتصادي وسياحي دولي.
تتعدد أسباب تفشي هذه الظاهرة، لكن أبرزها يتمثل في ضعف جودة الأشغال المنجزة في الطرق، حيث يتم تنفيذ المشاريع دون احترام معايير الصيانة والاستدامة. إضافة إلى ذلك، تُظهر الحفر عجزاً واضحاً في صيانة البنية التحتية، إذ أن العديد من الطرق تُترك لأشهر، وأحياناً سنوات، دون إصلاح رغم تفاقم حالتها.
أما المسؤولية فتقع بشكل رئيسي على عاتق الجهات الإدارية والمنتخبة، التي يُفترض أن تسهر على حسن تدبير ميزانية الدولة والموارد المخصصة للبنية التحتية. ورغم الميزانيات الضخمة التي تُخصص لصيانة الطرق سنوياً، إلا أن نتائج هذه الاستثمارات على أرض الواقع تبدو ضئيلة، مما يُثير تساؤلات مشروعة حول مدى الشفافية في تدبير هذه الأموال.
من جهة أخرى، يعاني المواطنون من غياب قنوات فعالة للتبليغ عن الحفر أو متابعة شكاواهم، مما يزيد من إحساسهم بالإهمال والتهميش. وفي ظل غياب محاسبة فعلية، تبقى المسؤولية ضائعة بين الإدارات المحلية، المجالس المنتخبة، والجهات المنفذة للأشغال.
ظاهرة الحفر لا تُلحق الضرر بالسكان فقط، بل تؤثر أيضاً على جاذبية طنجة كمدينة سياحية. فكيف يمكن لمدينة تطمح إلى أن تكون وجهة عالمية أن تغض الطرف عن وضعية طرقها وأزقتها؟ الصورة السلبية التي تتركها هذه الحفر تؤثر مباشرة على انطباعات الزوار، وتجعل المدينة تبدو وكأنها غير قادرة على مواكبة طموحاتها التنموية.
لحل هذه المعضلة، يجب تفعيل آليات رقابة صارمة على جودة الأشغال، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن التقصير. كما ينبغي تخصيص جزء من الميزانيات لتحديث أنظمة الصيانة الدورية بدلاً من الحلول المؤقتة التي سرعان ما تعيد المشكلة إلى الواجهة. إضافة إلى ذلك، يُمكن إشراك المجتمع المدني والمواطنين في رصد هذه الظاهرة وتقديم اقتراحات للإصلاح.
طنجة، التي لطالما اشتهرت بجمالها وتاريخها العريق، تستحق بنية تحتية تُعزز هذا الجمال وتوفر لمواطنيها وزوارها تجربة تنقل آمنة ومريحة. فإلى متى ستظل الحفر تُشوه شوارع المدينة؟ وأين هي الإرادة الحقيقية لإصلاح الوضع؟


