لم يعد “البوليفار”، وهو القلب النابض لمدينة طنجة وواجهتها السياحية والثقافية، ذلك الشريان الحجري الجميل الذي يغري بالسير والترجل، بل تحول الشارع ومحيطه في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه موقفا عشوائيا كبيرا للسيارات، بعدما استباح العشرات من السائقين أرصفة المارة وركنوا مركباتهم فوقها بكل أريحية، في مشاهد تختزل أعلى درجات الاستهتار بالقانون وحقوق المواطنة.
وفي تجوال بسيط على طول منطقة البوليفار، تجد نفسك أمام سيناريو متكرر ومرعب، حيث تتراصف السيارات جنبا إلى جنب فوق الأرصفة المخصصة للراجلين دون ترك ولو شبر واحد يتيح للمارة العبور، وهو العائق الاستفزازي الذي يجبر التلاميذ والأمهات برفقة أطفالهم، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، على النزول الاضطراري إلى قارعة الطريق والمشي وسط حركة السير المزدحمة بالسيارات، لتتحول هذه المعركة اليومية للمواطن الطنجاوي من مجرد قطع بضعة أمتار إلى مجازفة غير محسوبة العواقب وسط حركة سير لا ترحم.
وهذه الظاهرة الآخذة في التفاقم لم تثر فقط موجة غضب عارمة بين الساكنة والزوار، بل فتحت باب الأسئلة على مصراعيه حول نجاعة الرقابة الحضرية، وأين هي دوريات شرطة المرور ورجال الأمن من هذا السلوك الفادح الذي يقع في وضح النهار، ولماذا لا يتم تفعيل شاحنات قطر السيارات ونقلها إلى المحجز البلدي وتطبيق الغرامات الزجرية بشكل صارم ومستمر، وكيف لمدينة تستعد لاستضافة تظاهرات عالمية وتعيش طفرة تنموية أن تغمض أعينها عن فوضى هندسية وسلوكية بقلب مركزها الحضري.
إن الأزمة لم تعد مجرد سوء ركن، بل أضحت مظهرا من مظاهر التسيب الحضري الذي يسيء لكرامة المواطن وسمعة عروس الشمال، وهو ما يدعو الساكنة ومكونات المجتمع المدني بمدينة البوغاز للتوجه بمطالب مستعجلة إلى ولاية أمن طنجة والجماعة الترابية قصد التدخل العاجل عبر زجر المخالفين وتثبيت حواجز إعاقة للسيارات على طول أرصفة البوليفار لاستعادة الشارع العام لصالح أصحابه الأصليين من الراجلين، فهل تتحرك الجهات المسؤولة لإنهاء هذا الحصار واقتلاع الظاهرة من جذورها، أم سيبقى رصيف البوليفار مستباحا حتى تقع الكارثة؟


