احتضنت مدينة طنجة على مدى يومين، 24 و25 يوليوز 2025، فعاليات المنتدى الإقليمي للاقتصاد الأخضر، الذي انعقد تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بحضور وازن جمع فاعلين من قطاعات متعددة على المستويين الوطني والدولي. وقد شكل هذا الحدث البيئي والسياسي محطة بارزة للنقاش حول مستقبل المدن الأفريقية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى ابتكار نماذج حضرية قادرة على تحقيق الحياد الكربوني.
وخلال مشاركته في المائدة المستديرة التي نُظمت في اليوم الثاني من المنتدى، استعرض السيد عمر مورو، رئيس مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، الخطوط العريضة للرؤية الاستراتيجية التي تتبناها المملكة في أفق بلوغ الحياد الكربوني بحلول سنة 2050، في إطار رؤية ملكية طموحة تُعلي من شأن العدالة البيئية والتوازنات الإيكولوجية. كما أكد على انخراط الجهة الفعلي في هذا التوجه من خلال برنامج التنمية الجهوية للفترة 2022-2027، الذي أولى اهتماماً خاصاً لقضايا البيئة والانتقال الأخضر، مشيراً إلى أن تحقيق هذا التحول يستدعي تعبئة مختلف الفاعلين، وخاصة القطاع الخاص الذي يظل شريكاً محورياً في تنزيل مشاريع مستدامة وذات وقع بيئي إيجابي.
وقد تميز هذا الحدث بالتوقيع على اتفاقية إطار بين مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة والمنظمة العالمية للاقتصاد الأخضر، تروم إرساء تعاون استراتيجي يتيح للجهة الاستفادة من التجارب والخبرات الدولية في مجال الاقتصاد الأخضر. وتغطي الاتفاقية عدة مجالات، أبرزها مواكبة تنفيذ أولويات الجهة ضمن برنامجها التنموي، وتعزيز قدراتها في إعداد وتنفيذ مشاريع تراعي البعد البيئي، مع الالتزام بالمرجعيات القانونية الوطنية والدولية ذات الصلة بالتغير المناخي.
من بين أبرز مخرجات المنتدى، تبني المشاركين لما بات يُعرف بـ”إعلان طنجة”، الذي جاء كإطار جامع للتوجهات الكبرى في مجال التحول البيئي بالقارة السمراء، حيث نص على جملة من الالتزامات العملية، من ضمنها تسريع إدماج هدف الحياد الكربوني في السياسات الحضرية، وتعزيز الاستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة، والنقل النظيف، والتدبير المستدام للنفايات، والزراعة الذكية، والحلول الرقمية، مع التأكيد على أهمية اعتماد التخطيط الأخضر كأداة هيكلية في صياغة مستقبل المدن. كما دعا الإعلان إلى إحداث آليات واضحة للتتبع والتقييم، ترتكز على مؤشرات منسقة، بما يسمح بقياس التقدم المُحرز بشكل دوري، وتبادل المعارف والخبرات بين مختلف المدن والجهات.
وبالإضافة إلى الجلسات العامة، شهد المنتدى تنظيم ورشات موضوعاتية أثرت النقاش ووسعت زوايا الرؤية، بمشاركة خبراء ومسؤولين وفاعلين جمعويين من داخل المغرب وخارجه. وقد تجاوز عدد المشاركين في مختلف الفعاليات 400 شخص، توزعوا على نحو 30 جلسة وورشة، تناولت مواضيع متعددة من زاوية الاقتصاد الأخضر. وأسفرت النقاشات عن مجموعة من التوصيات التي شددت على أن مواجهة التغير المناخي في أفريقيا لا يمكن أن تتم إلا عبر مقاربات مندمجة، تُشرك كل الأطراف، وتراهن على البحث العلمي، والابتكار، والتقنيات الجديدة، مع تأكيد محورية دور الشباب في بناء مستقبل بيئي مستدام.
كما شكل المنتدى فضاءً غنياً للتبادل بين عمداء المدن الأفريقية، وممثلي منظمات أممية ودولية، ومسؤولين حكوميين، ما أتاح فرصاً لعقد لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف، هدفت إلى توطيد علاقات التعاون، وتبادل التجارب الناجحة في مجالات التحول الأخضر. وتميزت النسخة الحالية أيضًا بإدراج ورشات لفائدة الأطفال والطلبة الباحثين، في خطوة رمزية تعكس الإيمان بضرورة ترسيخ الوعي البيئي منذ سن مبكرة، وإشراك مختلف الأجيال في النقاش المناخي.
وقد اختتمت أشغال المنتدى برفع برقية ولاء وإخلاص إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، عرفانًا بالرعاية الملكية السامية التي حظي بها هذا الحدث، وتثمينًا لجهود المملكة المتواصلة في مجال حماية البيئة وتعزيز التنمية المستدامة. المنتدى كان أكثر من مجرد تظاهرة بيئية، بل خطوة ملموسة نحو بناء تحالف أفريقي من أجل مدن خضراء ومزدهرة، تضع الإنسان والبيئة معاً في قلب معادلة التنمية.


