تحولت طنجة خلال السنوات الأخيرة من مدينة ساحلية ذات جاذبية سياحية إلى قطب اقتصادي وصناعي وعمراني يستقطب آلاف الوافدين من مختلف مناطق المغرب، بحثاً عن فرص الشغل وتحسين ظروف العيش. غير أن هذا النمو المتسارع يرافقه ارتفاع ملحوظ في تكاليف الحياة، خاصة أسعار الكراء والمواد الغذائية والنقل والخدمات، ما يضع الأسر ذات الدخل المحدود أمام ضغوط متزايدة. وبين صورة المدينة الحديثة التي تعززها المشاريع الكبرى والاستثمارات المتنوعة، والواقع اليومي للأجراء، تبرز مفارقة واضحة، إذ أصبح جزء مهم من الدخل الشهري يوجه إلى النفقات الأساسية، بينما تتقلص القدرة على الادخار ومواجهة باقي الاحتياجات.
وتبدو تداعيات الغلاء أكثر حضوراً في الأسواق الشعبية والأسبوعية، حيث يضطر عدد من الأسر إلى تقليص مشترياتها أو تغيير عاداتها الاستهلاكية لمواكبة ارتفاع الأسعار. وفي المقابل، تواصل طنجة جذب وافدين جدد من مدن وقرى مختلفة، مدفوعين بفرص العمل التي توفرها القطاعات الصناعية والبناء والتجارة والخدمات. لكن هذا التدفق البشري يتزامن مع حديث عدد من الفاعلين المهنيين عن صعوبات تواجهها بعض المقاولات في استقطاب اليد العاملة، خصوصاً في قطاع البناء وبعض وحدات صناعة الكابلاج، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التباين بين تزايد أعداد الباحثين عن العمل واستمرار الحاجة إلى العمال. وقد يرتبط الأمر بطبيعة الوظائف المتاحة، ومستويات الأجور، وظروف العمل، أو حتى ببعد بعض مواقع الإنتاج عن مناطق السكن، إلى جانب الحاجة إلى تكوين يتلاءم مع متطلبات سوق الشغل.
وأمام هذه المعادلة، تجد طنجة نفسها أمام تحد مزدوج يتمثل في الحفاظ على جاذبيتها الاقتصادية والاستثمارية، وضمان قدرة السكان والوافدين على تحمل تكاليف العيش والاستفادة فعلياً من فرص الشغل المتاحة. فالتنمية الحضرية لا تقاس فقط بعدد المشاريع والمصانع والأوراش، وإنما أيضاً بمدى انعكاسها على جودة الحياة، وقدرة العامل على تحمل تكاليف السكن والتنقل والغذاء، وتوفير دخل يواكب متطلبات الحياة اليومية. وبين مدينة تتوسع بوتيرة متسارعة، وأسر تواجه ضغوط الغلاء، ومقاولات تبحث عن اليد العاملة، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر توازناً تربط بين النمو الاقتصادي وظروف العمل ومستوى الأجور وتكاليف المعيشة، بما يعزز جاذبية طنجة دون أن تتحول هذه الجاذبية إلى عبء على من اختاروا الاستقرار والعمل فيها.


