يبدو المشهد الفني في المغرب، للوهلة الأولى، مفتوحًا ومتعددًا: معارض تتوالى، أسماء تتكرّر في الكاتالوغات، وخطاب رسمي يحتفي بـ«الإشعاع» و«الدينامية». غير أنّ هذا التنوّع الظاهري يخفي سؤالًا أكثر إزعاجًا: من يملك حق تعريف ما يُعدّ فنًا؟ ومن يقرّر ما يستحق الظهور، وما يُدفع إلى الهامش؟
ليست المشكلة في غياب الإنتاج، بل في طبيعة السلطة التي تنظّم هذا الإنتاج. فالحقل الفني لا يُدار فقط بالأعمال، بل بالشبكات. شبكات من العلاقات، والرعاة، والمؤسسات، والقيّمين، حيث تتداخل المصالح الرمزية والاقتصادية. داخل هذا النظام، لا يصبح الاعتراف نتيجة لمسار فني متراكم، بل ثمرة تموقع ذكي داخل الخريطة الصحيحة.
في هذا السياق، يُطلب من الفنان—غالبًا من دون تصريح—أن يكون قابلًا للتكيّف: مع ذوق السوق، مع لغة المؤسسات، ومع السرديات الجاهزة عن «الهوية» و«المحلي». يتحوّل العمل الفني إلى منتج قابل للتسويق، محمّل بإشارات ثقافية مبسّطة، سهلة الترجمة، وسريعة الاستهلاك. هكذا يُفرغ الفن من توتّره، من قدرته على الإزعاج، ومن وظيفته النقدية.
الأخطر من ذلك أنّ هذا النظام لا يقصي بالصمت فقط، بل يُنتج خطابًا أخلاقيًا يبرّر الإقصاء. يُقال إن بعض التجارب «غير ناضجة»، أو «منعزلة»، أو «غير مفهومة للجمهور». وكأنّ الوضوح شرط مسبق للفن، لا نتيجة لحوار نقدي. هنا لا يُقصى المختلف لأنه ضعيف، بل لأنه لا ينسجم مع القالب السائد.
أما النقد الفني، الذي يُفترض أن يكون مساحة للمساءلة، فيجد نفسه في موقع ملتبس. فحين يعتمد على نفس المؤسسات التي يُفترض أن ينتقدها، يفقد استقلاليته تدريجيًا. يتحوّل إلى كتابة مرافِقة، تُجمّل أكثر مما تُفكّك، وتشرح أكثر مما تُسائل. بذلك يُستبدل النقاش الجمالي الحقيقي بلغة توافقية ناعمة.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من مقاومات صامتة. فنانون يشتغلون خارج الضوء، يراكمون تجاربهم بعيدًا عن الإيقاع السريع للعرض والطلب، ويطرحون أسئلة حقيقية حول الجسد، والذاكرة، والمدينة، والعنف الرمزي. لكن هذه الأصوات، لغياب بنية نقدية حاضنة، تبقى مشتّتة، فردية، وقابلة للنسيان.
إن السؤال الجوهري ليس: لماذا لا يتطوّر الفن في المغرب؟ بل: أيّ فن نريد؟ فنّ يرضي، أم فنّ يُربك؟ فنّ يزيّن الواجهة، أم فنّ يحفر في الأسئلة غير المريحة؟ ما لم يُفتح هذا النقاش بجرأة، سيظل الفن حبيس من يملكون مفاتيح العرض، لا من يملكون ضرورة التعبير


