في شوارع طنجة المزدحمة، وعند إشارات المرور وأمام المقاهي والمتاجر، تتكرر مشاهد أطفال يحملون علب المناديل الورقية أو يمدون أيديهم طلبا للمساعدة، فيما يرافق بعضهم نساء أو أشخاص يستعينون ببراءتهم لاستدرار عطف المارة. ولا تختزل هذه الظاهرة في مجرد سلوك عابر اعتادت أعين المارة مشاهدته، بل تطرح إشكالية اجتماعية وإنسانية معقدة تتقاطع فيها الفوارق الاقتصادية والتفكك الأسري والهشاشة الاجتماعية، فضلا عن احتمال تعرض بعض الأطفال للاستغلال. فمن الناحية النفسية، قد يؤدي الاحتكاك المبكر بالشارع والحرمان من الإحساس بالأمان والاستقرار إلى تنامي الخوف والقلق والشعور بالدونية، كما قد يضعف فرص الاندماج المدرسي والاجتماعي، ويحرم الطفل من مرحلة عمرية يفترض أن تكون مخصصة للتعلم واللعب وبناء الشخصية.
اقتصاديا، لا يمكن فصل التسول بالأطفال عن أوضاع بعض الأسر التي تعاني ضعف الدخل أو فقدان مصدر الرزق وارتفاع تكاليف المعيشة، دون أن يعني ذلك تبرير استغلال القاصرين أو اختزال الظاهرة في الفقر وحده. وتكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط، المستندة إلى إحصاء السكان والسكنى لسنة 2024، أن معدل الفقر متعدد الأبعاد بلغ 6.8 في المائة وطنيا، فيما سجلت جهة طنجة-تطوان-الحسيمة 7.1 في المائة، مقابل 13.9 في المائة سنة 2014. كما بلغ معدل الهشاشة إزاء الفقر متعدد الأبعاد بالجهة 8.8 في المائة، مقابل 8.1 في المائة على المستوى الوطني. وفي سياق اقتصادي لا تزال فيه فرص الشغل تشكل تحديا أمام فئات واسعة، أفادت المندوبية بأن معدل البطالة بالمغرب بلغ 13.3 في المائة سنة 2024، وارتفع إلى 36.7 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة. وتساعد هذه المؤشرات على فهم السياق العام للهشاشة التي قد تواجه بعض الأسر، لكنها لا تثبت وحدها وجود علاقة مباشرة بين الفقر أو البطالة واستغلال الأطفال في التسول. وتظهر خطورة الوضع في مشاهد يومية، كطفل يبيع المناديل إلى ساعات متأخرة بدل العودة إلى المدرسة، أو قاصر يتنقل بين السيارات بحثا عن بضعة دراهم قد تسهم في تلبية احتياجات أسرته، بما يهدد حقه في التعليم والحماية والنمو السليم.
وتستدعي مواجهة الظاهرة تعبئة مؤسساتية ومجتمعية متكاملة، تتجاوز التدخلات الظرفية نحو معالجة جذورها. فوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، بتنسيق مع التعاون الوطني والمصالح الاجتماعية والأمنية والسلطات المحلية، مدعوة إلى تعزيز آليات رصد الأطفال في وضعية هشاشة، وتقييم ظروفهم الأسرية، وتوفير المواكبة النفسية والاجتماعية، إلى جانب دعم الأسر وإعادة إدماج الأطفال في التعليم والتكوين. كما يظل لجمعيات المجتمع المدني دور أساسي في الوصول إلى الحالات الميدانية وتقديم الدعم والتوجيه ومواكبة الأسر، مع ضرورة التنسيق بين مختلف المتدخلين لضمان استمرارية الرعاية وعدم عودة الأطفال إلى الشارع. وفي هذا السياق، يضطلع الإعلام بمسؤولية محورية في التوعية عبر تحقيقات وتقارير مهنية تكشف أبعاد الظاهرة وأسبابها، وتبرز قصص الأطفال في إطار يحفظ كرامتهم وخصوصيتهم، بعيدا عن استغلال صورهم أو تحويل معاناتهم إلى مادة للاستعطاف، مع توجيه الرأي العام نحو الحلول العملية وتشجيع التبليغ عن حالات الاستغلال المحتملة.
أما على المستوى القانوني، فتقتضي حماية الأطفال من الاستغلال في التسول التمييز بين القاصرين الذين تدفعهم ظروف أسرهم إلى الشارع، والحالات التي يتعمد فيها أشخاص استغلالهم لتحقيق مكاسب مادية. وينص القانون الجنائي المغربي، ولا سيما الفصلان 328 و330، على مقتضيات زجرية تتعلق باستخدام الأطفال في التسول أو تسليمهم إلى أشخاص يمتهنونه، وفق الشروط التي يحددها القانون. وتظل فعالية هذه المقتضيات مرتبطة بتطبيقها إلى جانب تدابير الوقاية والحماية والرعاية، لا بالاكتفاء بالمقاربة الزجرية وحدها. فاستجداء الأطفال في طنجة ليس مسؤولية جهة واحدة، بل اختبار لقدرة المجتمع ومؤسساته على حماية الطفولة وصون كرامتها؛ إذ لا يكفي أن يمنح المارة الطفل بعض النقود، ما لم تترافق المبادرات الفردية مع تدخلات مؤسساتية مستدامة تضمن له التعليم والأمان والعيش الكريم، وتعيد إليه حقه الطبيعي في أن يكون طفلا، لا وسيلة لاستدرار التعاطف.


